البديل الحضاري

صورة شخصية

محمد سالم الطالبي

instance.talbi@gmail.com

 

علق أحد المحسوبين على الكتابة المحلية لحزب العدالة والتنمية بسيدي افني على مقالي السابق الذي يحمل عنوان  “التكوير”  السياسي، في صفحته على الفيس بوك، كاتبا : ” حقيقة السي طالبي كان من الاولى مناقشة البيان ومضمونه واشاراته وهدفه لا أن نناقش صاحب البيان في مشيته وصفاته لان في نظري الذي دفع الاستاذ الى الرد بهذا الاسلوب هو بيان اصدرته الكتابة المحلية بسيدي افني على إثر الدورة الاخيرة للمجلس البلدي التي كانت في الحقيقة مهزلة كبيرة لا تشرف الساكنة المناضلة الني تنتظر منا جميعا الكثير والكثير وشكرا”.

يتوقف  كلام الرجل هنا لنواصل نحن الكتابة الحرة والمستقلة  على طريق   انتزاع حقنا في السباحة ضد تيار الشعبوية  الذي يراد له أن يكون  الملاذ الامن لطالبي “اللجوء” السياسي حينما يعجزون  عن مصارعة أمواج المسؤولية التي  تفرض التحلي   بالجرأة و الصرامة و إزاحة النقاب عن الملامح الحقيقية.

وما هو معروف مُسبقا  أن  اخر شيء يمكن انتظاره هو أن يتقبل “كحل الراس”    نقد  الاخرين بصدر رحب،  فيبدو أن  تلك خصلة  لم تنمُ بعد في تربة السياسة المحلية،  بل  يجب أن يمر  وقت طويل، لربما،  قبل أن يكون للرأي الاخر مكان تحت شمس الحرية المحدودة!

ويبدو أن البعض وجد  طريقة جديدة  للتخلص  من “باراج”  الصحافة الذي ينتصب اليوم مراقبا على طريق الممارسة،  فلم يعد  الهروب  الى الامام يكفي لوحده، وإنما صار  التملص من الهوية الحزبية تكتيكا جديدا لبعث الرسائل من وراء حجاب  بغرض تحريف النقاش عن مساره الصحيح الذي يسلط الضوء على  أزمة الاحزاب السياسية محليا، و الُمتمثلة أساسا في غيابها الواضح عن تدبير  الشأن السياسي  اليومي الذي يهم المواطن و يستهدف تأطيره،  واختيارها، بديلا عن ذلك، “الإقامة”  في قاعة الانتظار الطويل  إلى حين  إعلان تنظيم الانتخابات،  حيث تسارع إلى الخروج فجأة لخطب ود الرأي العام أملا في الحصول على ثقته كي يتسنى لها  الجلوس، بعد ذلك، على كرسي  تدبير الشأن العام.

فالغياب عن الانخراط اليومي، لأي حزب سياسي كيفما كان، و التردد في  التعبير عن المواقف غير الملتبسة ازاء القضايا الطارئة، هو أحد المؤشرات الرئيسية التي تشي باستحالة  القدرة على مواجهة تحديات تدبير الشأن العام الذي يستوجب الانحياز للقرارات الشجاعة عوض الانحناء أمام عاصفة تيار معين مهما كان وزنه على ميزان التأثير محليا.

إن المغادرة الطوعية للحزب السياسي، واستقالته من موقع التأطير والتأثير خلَف  فراغا قاتلا يُوفر البيئة المناسبة لنمو النزعات السلبية  التي تغدي سمومها اليوم عقول الشباب، وتجعلهم أكثر عُرضة من أي وقت مضى لاستيعاب الافكار الهدامة، بما فيها الخطاب الانفصالي الذي يجد أسباب وجوده وقوته في ظلمة الانغلاق المُفضي بالضرورة الى حالة من التعصب والرفض المقيت.

 وليست الكتابة المحلية لحزب  العدالة والتنمية  من يتحمل هذه المسؤولية  لوحدها، فالكل معني  بالاضطلاع بدوره على أحسن وجه  على خشبة المسرح السياسي، و مغادرة موقع المتفرج، الذي يستمرئ الركوب على موجة اللامبالاة لتفادي الحركة باتجاه  تصريف الفعل السياسي  عبر كل القنوات التنظيمية الممكنة.

فليس عيبا البتة  أن يسقط البعض  في امتحان التدرج السياسي، كما سقطت الكتابة المحلية لحزب العدالة والتنمية، بل   العيب كل العيب في تجاهلهم  للفعل الانساني الذي كان وراء ذلك، والبحث بالمقابل، في خضم غبار “تشعبويت” المتصاعد، عن الرأس التركي أملا في تعليقه  على مقصلة  فشلهم  في النهوض إثر عثراتهم المتوقعة على  طريق الممارسة.

إن ما نسعى إليه من خلال الكتابة الصحفية  ليس  الظهور من حين لأخر من أجل  إجهاض طموحات مشروعة، كما قد يظن بعض الممتلئين حماسا لمشروع سياسي لا يستند الا على النوايا الحسنة ، وانما لتشعر جميع الاطراف، سواء الفاعلة منها  أو المفعول بها،  بأن الرأي العام  الذي تستعر نار الصراع السياسي  من أجل تشكيله تمهيدا  لاستمالته،  ماعاد  هدفا أعزل   يسهُل الاختلاء به، و محاصرته  بلغة الخشب المملة، فلقد اكتسب اليوم  قوة الرقابة إلى جانبه  كأسلوب مقاومة تحميه من تلك “الوجبات”  السامة التي تُعرض عليه  بسخاء على طاولة الغداء السياسوي.

واذا كانت  هناك نية حقيقية للرفع من مستوى الأداء الحزبي وانتشاله من وحل الافلاس الذي يجثم على صدر الواقع السياسي اليوم،   لكان أول شيء يخطر ببال الاحزاب السياسية هو  البدء  في  “تخمال”  بيتها  الداخلي، الذي اجتاحته “الغمولية” بسبب العفن الفكروي الضيق،  قبل الخروج من باب المناورة، على العلن، بتلك البيانات التافهة التي لا ترى النور إلا عندما تحل مناسبة   تأمل من خلالها  تحسين صورتها  في عيون الرأي العام.

ولعل أحد أكبر الاسباب التي أدت الى   تخلف العمل السياسي محليا و تراجعه الخطير أمام المد الشعبوي الذي يُهدد بإغراق الآمال في عودة الثقة الى المؤسسات المنتخبة، هو  تحول الاحزاب السياسية  الى فضاء مستباح  من طرف كل من هب و دب، و  اختزالها المشاركة   في محطة الاستحقاقات الانتخابية حيث يلجأ “الخطافة”، في غفلة من الجميع، الى “بيع”   تذاكر  التزكية  لمرشحين لا يهمهم في النهاية سوى المشاركة في رحلة تنافس قد تضمن لهم الحصول على   دور “كومبارص”   في تمثيليتهم  الصورية أو  تحقيق مصالح خاصة بعد  توفير غطاء الشرعية اللازم لذلك.

إن الطريق السليم  الى تصحيح مسار التجربة الحزبية  المحلية لن تعبده النوايا الحسنة فحسب، بل  المفروض   أن يعترف الجميع بوقوع عطب خطير  في قاطرة العمل السياسي   يستوجب التوقف الاضطراري،  ووضع “بلاكة” مكتوب عليها ” خط منحرف”، قبل  شق طريق بديل وحضاري يقود المواطن   نحو وجهة العدالة المنشودة والتنمية الموعودة.

أترك تعليقك
7 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
*نص
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة افني نت الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

  • المومن

    المومن
  • ifnawi2

  • said lifnawi

  • IFNAWI 2

  • نقابي و افتخر

  • afriad